Header Ads

سر القلعة الحصينة في العاصمة الإدارية الجديدة

بقلم: عامر عبد المنعم

كشفت أسوار العاصمة الإدارية الجديدة عن تفاصيل مهمة حول القلعة المحصنة التي يبنيها عبد الفتاحالسيسي بعيدا عن الأضواء ويفرض عليها تعتيما إعلاميا محكما، والتي ستكون المقر الجديد الذي ستنتقل إليه أركان الدولة والنخبة التابعة والأجانب في أقرب وقت ممكن دون الانتظار لاكتمال الكيان الإداري الكبير الذي يحتاج إلى سنوات طويلة وميزانيات ضخمة.
نحن أمام مشروعين باسم العاصمة الجديدة، الأول على مساحة 700 كم وهو الذي يركز عليه الإعلام الرسمي والذي ينشغل به الرأي العام، وهناك عاصمة إدارية مصغرة حجمها 100 كم داخل المشروع الكبير، تحيط بها الأسوار العالية من كل جانب، تشبه قلاع القرون الوسطى.

عدم وضوح الرؤية حول مشروع العاصمة الجديدة يرجع إلى بعد المنطقة التي تم اختيارها في الصحراء الشرقية بعيدا عن العمران، ولكبر حجم المساحة التي تقع بين طريقي (القاهرة - السويس) و(القاهرة - العين السخنة)، بل إن نظام العمل يجعل كل شركة لا تعرف شيئا عن عمل الشركات الأخرى المجاورة، بما يضفي ضبابية على صورة المشروع.


العاصمة المصغرة
-----------------
من الواضح أن هناك استعجال للهروب من القاهرة ونقل الحكومة ووزاراتها إلى الصحراء، ومن المؤكد أن قرار عبد الفتاح السيسي بنقل الوزارات العام القادم إلى ما يسمى بالحي الحكومي الذي يظهر في التصميمات شرق العاصمة غير ممكن في المدى القصير، لأنه غير جاهز ولأن المنطقة كلها غير صالحة للحياة في الوقت الحالي، ولهذا كان مجمل العمل موجها إلى بناء العاصمة الإدارية المصغرة البديلة.
العاصمة المصغرة قلعة مسورة بالكامل، وتقع في المربع الموجود في جنوب غرب المنطقة بين طريقي السويس والعين السخنة، يحدها من الشمال محور محمد بن زايد الجنوبي، ويحدها من الجنوب طريق العين السخنة، ويحدها من الشرق الطريق الدائري الإقليمي ومن الغرب مدينة الأمل والقاهرة الجديدة، وفي التصميمات هي جزء من العاصمة الإدارية ولكن لم يضعوها ضمن الخريطة المعلنة حتى لا ينتبه إليها الشعب المصري إلا بعد الانتهاء منها.
الجدل حول الأسوار والردود الحكومية
-----------------------------------
من يسير في طريق القاهرة السويس يرى الأسوار في الضلع الشمالي الذي يوجد خلفه مطار القطامية الذي تم تطويره وأصبح مطارا للعاصمة، ويرى سورا طويلا بشرق العاصمة، ومن يسير في طريق القاهرة العين السخنة يرى السور الضخم بارتفاع 7 أمتار وعليه أبراج المراقبة بطول 12 كم تقريبا.
والحديث عن العاصمة المؤمنة والمسورة (بالأسوار) والمصورة (بالكاميرات) صدرت من صفحات ومواقع الدعاية والترويج لبيع الشقق والفيلات للطبقة المترفة، وتركز دعاية القائمين على العاصمة على أنها كمبوند أفضل من المدن المغلقة الأخرى التي يقيم بها الأثرياء، وكانت الأسعار الفلكية للشقق والفيلات (أكثر من مليون جنيه للشقة ومن 3 مليون إلى 9 ملايين للفيلا) المطروحة للبيع دليل على أنها ليست عاصمة لكل المصريين.
بالاطلاع على صور العاصمة الإدارية بالأقمار الصناعية من خلال خرائط جوجل، وهي متاحة على أي تابلت أو موبايل، أو من خلال برنامج جوجل إيرث نستطيع رسم صورة لما يجري على الأرض، ونرى هل ما يتردد من حجم الإنجازات حقيقي أم لا؟ وإذا كان هناك إنجازات فما هو موقعها؟
بعد المشاهدة الميدانية ومراجعة التصميمات والاطلاع على صور البث الفضائي يمكن تلخيص الوضع في النقاط التالية:
أولا: مشروع العاصمة الإدارية يحتاج إلى 30 عاما أو أكثر لكي يكتمل، إذا توفر له عشرات المليارات من الدولارات وتريليونات من الجنيهات.
ثانيا: المبنى الوحيد الذي تم إنجازه في المساحة الكبرى للعاصمة شرق الطريق الدائري الإقليمي هو فندق الماسة المبني على شكل مثلث به بحيرات صناعية وحمامات سباحة وسط الصحراء الجافة، ومحاط بالأسوار من جهاته الثلاث، ولم يكتمل بناء حي واحد من الأحياء السكنية الستة المخطط لها في المرحلة الأولى غير جزء من الحي R3 وتم تشطيب بعض العمارات للتصوير.
ثالثا: تم إنفاق مئات المليارات في شق طرق وبناء أنفاق البنية الأساسية تحت الأرض بزعم بناء مدينة عصرية.
رابعا: التركيز على فندق الماسة ومربع سكني طوال الوقت لإلهاء المصريين عن الشغل الأهم وهو الانتهاء من العاصمة الحقيقية.
الجدار العازل
------------
عندما ظهرت صور الأسوار خرج رئيس جهاز العاصمة الإدارية الجديدة بتصريح نفى فيه وجود السور، وفي نفس التصريح ناقض نفسه ونفى كلامه وقال: "قد يكون في منطقة بقلب العاصمة، أو حول محطة للكهرباء أو المياه، أو حول منشأة ما".
وبعد الافتتاح الرسمي للعاصمة الإدارية وتجدد الجدل على الفيسبوك نشر الموقع الرسمي للعاصمة الإدارية ردا على موضوع السور وقال إن السور يحيط بما يسمى الكيان العسكري، ونشر خريطة بها تظليل على منطقة صغيرة بها مبنى قيد الإنشاء لوزارة الدفاع، وهذا الرد يثير الكثير من الملاحظات أهمها:
1- المنطقة التي أشار إليها بيان العاصمة بأنها الكيان العسكري مجرد منطقة صغيرة جنوب شرق المدينة التي تم تطويقها بالكامل بالسور الخرساني الضخم.
2- استخدام كلمة "كيان" لها دلالات سلبية فهي تطلق على الكيان الصهيوني.
3- المبنى المشار إليه سيكون له سور خاص به غير السور الكبير الذي يحيط بكل المدينة.
4- المباني العسكرية والمعسكرات لا تحتاج إلى مثل هذه الأسوار العالية، وهي موجودة في كل مكان بمصر في حماية الشعب، ومحاطة بالأسلاك الشائكة أو الأسوار البسيطة، بل إن وزارة الدفاع نفسها في قلب القاهرة محاطة بسور بسيط.
5- المنطقة المحاطة بالسور العازل مدينة كبيرة بها منشآت مدنية ضخمة ومدن سكنية ومباني للوزارات، ومساحات تبدو وكأنها مخصصة للسفارات والهيئات، ومخططة لتكون العاصمة المصغرة بغض النظر عن اكتمال المشروع الكبير أم لا.
6- العمل في العاصمة المصغرة متواصل وهناك إلحاح على سرعة تهيئتها للانتقال إليها في أسرع وقت.
7- تسوير هذه المساحة الكبيرة يطرح التساؤل حول هوية هذه القلعة المحصنة؛ فهل هي مدينة يسكنها العسكريون فقط أم سيسكنها العسكريون مع المدنيين؟ وإذا كانت مخصصة للعسكريين فقط فهل من المنطقي في علم الإستراتيجية جمع القيادات العسكرية للدولة المصرية في مكان واحد في منطقة محددة بالقرب من العدو الإسرائيلي؟
8- ما هي الرسائل التي يمكن أن تفهم من بناء مدينة للعسكريين فقط، محاطة بمثل هذه الأسوار التي لا تمثل أي قيمة دفاعية أمام عدو خارجي؟
9- ألا يشير هذا التخطيط لتأسيس بناء بهذا الشكل إلى أن هناك من يخطط لمواجهة مع الشعب بعزل القيادات العسكرية في قلعة مغلقة؟ وهناك أسئلة كثيرة تدور في الذهن حول الدلالات السلبية لمثل هذا التوجه.
10- أما إذا كانت المدينة سيسكنها المدنيون بجوار العسكريين كما يبدو من حجم المنشآت وطبيعتها المدنية التي يصل ما أنفق عليها حتى الآن إلى تريليون جنيه، فما هي معايير الاختيار والانتقاء لمن سيسكنون بها؟ فهل سينتقل إليها المرضي عنهم من مؤيدي السيسي فقط لتعميق انقسام المجتمع على أساس سياسي؟
في كل الحالات نحن أمام عاصمة إدارية مصغرة، مغلقة، غير متاحة للمواطنين، وسيتم اختيار القاطنين بها بمعايير غير معلومة، أشد صرامة من معايير انتقاء السكان في مشروع العاصمة الكبير، الذي أصبح معلنا بشكل رسمي أنه خاص بالأثرياء والأجانب من كل الجنسيات ولن يسكنها المصريون البسطاء.
تهديد أمن الدولة
--------------
من الناحية الإستراتيجية فإن نقل أركان الدولة المصرية والحكومة إلى الصحراء بجوار إسرائيل في هذا المكان المكشوف والمعزول كارثة إستراتيجية، وهو تفكير معاكس لأي منطق استراتيجي، ويخدم الصهيونية؛ فالعواصم لا تبنى إرضاء لرغبات أشخاص، فسياسة مصر في عهد السيسي الموالية لـ "إسرائيل" هي علاقة مؤقتة ليست دائمة، ولا يمكن بناء العاصمة وهي وضع دائم على أساس استثنائي خارج عن الثوابت الوطنية والإسلامية وضد المصالح الأمنية.
العاصمة الإدارية الجديدة بتصميمها الحالي تغري أي عدو خارجي بغزو مصر، من البحر الأحمر، حيث الطريق مفتوحا ولا يستغرق أكثر من ساعة من الزمن ولا توجد موانع طبيعية أو كثافة بشرية، ومهما كانت درجة الاستعداد فهي لقمة سائغة لأي غازي؛ ففي حرب أكتوبر حدثت الثغرة والجيش المصري في قمة الجهوزية العسكرية حيث تم اختراق الخطوط الدفاعية وتطويق الجيش الثالث.
نقل مقار الحكومة إلى الصحراء بقدر ما هو يجعل أركان الحكم ورموزه رهينه عند حاكم القلعة فإنه بمثابة تسليم الحكم المصري للعدو، فإزاحة الحكومة من القاهرة إلى طريق العين السخنة يجعل السلطة المصرية أيا كان توجهها تحت التهديد الصهيوني بشكل دائم.
من العجيب أن بعضهم يقول إن إسرائيل أصبحت حليفا وأن السيسي أصبح صديقا لنتنياهو، وأن الخطر لم يعد من إسرائيل وإنما الخطر من الإرهاب الموجود في الداخل، أي أن هذه الحكومة التي ستهرب إلى العين السخنة ترى أن الخطر يأتي من الغرب وليس من الشرق!
هؤلاء الذين يرون أن الإسرائيليين حلفاء وأن الخطر يأتي من الداخل يتوهمون أن بناء السور الخرساني المسلح والاختباء خلفه هو الوسيلة الوحيدة للهروب من الغضب الشعبي، والتفكير بهذه الطريقة يعني أن الذين سيهربون إلى العاصمة الإدارية سيتحالفون مع إسرائيل ضد المصريين، وسيبذلون كل جهودهم لمطمئنة الصهاينة ليساعدوهم، وسنرى تعاونا استراتيجيا في هذه المنطقة التي يعمل الصهاينة لضمها إلى ما يسمى إسرائيل الكبرى.
ما يجري في العاصمة الإدارية مع الإصرار على استبعاد العنصر البشري الشعبي من الإقامة بها (انظر مقالاتنا الثلاثة السابقة) يؤكد أن العقل الصهيوني حاضر في التخطيط والتنفيذ؛ فالمليارات التي أنفقت حتى الآن في هذه المنطقة العنصرية كانت كافية لبناء عشرات المدن في المنطقة الشرقية ولكانت قد فتحت أفاقا جديدة للشعب المصري.
العاصمة الإدارية بمشروعيها الكبير والصغير هي استنساخ للمنطقة الخضراء في العراق، من أجل دوائر السلطة والمنتفعين بالوضع الحالي والأجانب، وستكون بداية النهاية للدولة المصرية، فهي الثقب الأسود الذي سيبتلع ثروات مصر؛ فالإنفاق عليها الذي يعتمد على الاقتراض الخارجي بدون حساب، وطبع المليارات من البنكنوت بدون غطاء، وبيع ممتلكات الدولة من الجزر والأراضي والمرافق العامة سيؤدي لسقوط الاقتصاد بالضربة القاضية، وحدوث الانفجار الكبير الذي لن تصمد أمامه المدن المحصنة والجدران العازلة.
Post a Comment

Search This Blog